زيارة الدوحة

بفضل القيادة الرشيدة لعائلة آل ثاني، والتي تعود جذورها في حكم البلاد إلى ما يزيد عن قرنين كاملين، شهدت خلالها البلاد سلسلةً من التغيرات الجذرية: حيث تحولت من مركز بسيط يعتمد على صيد اللؤلؤ وتجارته إلى دولة مستقلة تمثل نموذجاً للتطور العمراني والنهضة الثقافية يحتذي بها غيرها من دول الشرق الأوسط ليحذوا حذوها في القرن الحادي والعشرين.

بمجرد أن تطأ قدمك أرض الدوحة، ستلمس التقدم والنهضة التي حققتها الدوحة كما ستستشعر وتيرة النهضة التي تسير بها لمستقبل أكثر إشراقاً، ولهذا يمكن أن نلخص لك كل هذا بعبارة بسيطة وهي أن "الدوحة مدينة ساخنة" ويمكن ترجمة هذه العبارة بمعناها المجازي والحرفي فالدوحة تحتل موقعاً جغرافياً يشتهر بحرارته الموسمية المرتفعة نسبياً.

ماذا يخلب ألباب زائري الدوحة وماذا يسحر عقول ضيوفها؟ أول ما ستقع عيناك عليه هي الأسواق التراثية العتيقة التي تقبع في أحضان ناطحات السحاب لتتشكل سماء الدوحة التي تتعانق فيها عراقة الهندسة المعمارية التاريخ مع حداثة ورفاهية المدنية، ولينصهر في أجوائها عبق الماضي مع محاسن التطور، كما سترى الجامعات العالمية العريقة، تقف بجانب المؤسسات الثقافية الثرية، وستقع عيناك على أحدث السيارات الفارهة تسير بمحاذاة أشهر المحلات التجارية وتتلألأ في الخلفية مياه الخليج العربي بزرقتها الصافية.

على مدى العقد الماضي من الزمن، نجحت دولة قطـر الغنية بالنفط والغاز والواقعة في الجهة الأخرى من الخليج العربي مقابل جمهورية إيران، في أن ترسخ مكانتها محوراً للمباحثات السياسية، ومركزاً للفعاليات الرياضية العالمية البارزة، كما عززت من موقعها منبراً للحوار الاجتماعي والتعبير الفني والثقافي، وذلك بفضل القيادة الرشيدة لعائلة آل ثاني، والتي تعود جذورها في حكم البلاد إلى ما يزيد عن قرنين كاملين، شهدت خلالها البلاد سلسلةً من التغيرات الجذرية: حيث تحولت من مركز بسيط يعتمد على صيد اللؤلؤ وتجارته إلى دولة مستقلة تمثل نموذجاً للتطور العمراني والنهضة الثقافية يحتذي بها غيرها من دول الشرق الأوسط ليحذوا حذوها في القرن الحادي والعشرين.

التربية والتعليم أولاً

يتجلى هـذا التحول في المبادرات العديدة التي أطلقتها قيادة دولة قطـر ومنها المدينة التعليمية التي تعد أحد صروح التربية والتعليم في العالم العربي. تأسست المدينة التعليمية قبل عشر سنوات لتحتضن ست من المقرات التابعة لأعرق الجامعات الدولية الرائدة في الغرب، لتصبح بذلك رمزاً للتجربة العلمية الناجحة ومركزاً للتميز. الأكاديمي في العالم العربي يسعى لبناء جيل جديد من قادة المستقبل.

أكدت صاحبة السمو الشيخة موزة بنت ناصر المسـند، على عزمها رسم مسار تقدمي خاص لدولة قطـر ولهذا قررت أن تتولى رئاسة مجلس إدارة مؤسسة قطـر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع لتكون المظلة التي تحمي أهم مرافق الدولة وفي مقدمتها المدينة التعليمية.

وخلال رحلة العودة بالسيارة من المدينة التعليمية إلى قلب العاصمة الدوحة، لن يفوتك مشاهدة العشرات من اللافتات البارزة المنتشرة على كورنيش الدوحة والتي تحمل عبارة "يداً بيـد ننهض بالتعليم ... بما فيه خير قطـر" وتقترن بتلك اللافتات صورة ليد شخص بالغ تشد على يد طفل صغير وهو يكتب بالقلم.

صفة دولية مميزة

إن السحر والبريق الذي باتت تشتهر به دول المنطقة الغنية بالنفط يتجلى في أبهى صوره في العاصمة القطرية الدوحة، فعلى بعد خطوات من اللافتة التي تعلن عن مبادرة الدولة الرائدة المتمثلة في المدينة التعليمية يظهر عدد آخر من اللوحات التي تذكر كل من يمر عليها بأن "فينسيا الساحرة قد باتت الآن في قلب الدوحة العامرة" في إشارة إلى مركز تسوق "فيلاجيو" وهو عبارة عن مركز تجاري ضخم يضم أشهر الأسماء في عالم المحال التجارية وأبرز الماركات العالمية التي تصطف على جانبي الجندول الذي يسبح داخل جدران المركز عبر القنال الفينيسية التي يعلوه سقف مزين بلون زرقة السماء الصافية أو ضوء الغسق الخافت.

وبهذا يمكن لبعض الأماكن في الدوحة أن تذكرنا بإيطاليا، في حين يثير البعض الآخر ذكريات تشعرنا بوجودنا في قلب لندن أو في الهنـد، إلا أن التركيز على عنصري الثقافة والتعليم هي التي تجعل من الدوحة بحق مدينة عالمية آخذة في النمو. ومن بين المبادرات الحميدة التي أطلقتها الدولة في العام الماضي وحده يأتي مهرجان الدوحة ترايبكا السينمائي، إضافة إلى ميلاد فرقة أوركسترا قطر الفلهارمونية إضافة إلى متحف الفن الإسلامي العظيم الذي يعد واحداً من المتاحف العالمية التي تضم أندر الآثار والتحف من الفن الإسلامي والذي يبرهن على أن دولة قطـر هي المركز الثقافي للمنطقة.

مسيرة التنمية والتطوير

إن الطموحات الثقافية الجريئة لدولة قطـر هي وليدة الرؤية الثاقبة لصاحب السمو الشيخ حمـد بن خليفة آل ثاني، أمير البلاد المفدى، وهي نتاج قيادته الحكيمة والتي تجلت مع ال العام الماضي، حيث تحتضن جنبات المتحف هـذا العام مهرجان الدوحة ترايبكا السينمائي، بصفته إحدى العلامات الفارقة الأخرى للإرث الثقافي الوافر لدولة قطـر.

ويقوم بالإشراف على تلك الأنشطة هيئة متاحف قطـر، وهي المؤسسة الرسمية التي تترأس مجلس أمانتها الشيخة مياسة بنت حمـد آل ثاني.

وفي ظل تحقيق دولة قطـر لأعلى معدل لدخل الفرد في العالم، باتت حكومة دولة قطـر قادرة على مواصلة الاستثمارات الضخمة في مجالات التطوير والتنمية ليس فقط لاقتصاد البلاد فحسب ولكن للمجتمع والثقافة على حد سواء.

وفي هـذا السياق، يطمح مهرجان الدوحة ترايبكا السينمائي إلى أن يكون جزءً ولو بسيطاً في هذه المسيرة الرائعة نحو التطوير والتنمية والحداثة المستدامة التي لا تناقض التقاليد الراسخة لدولة قطـر بل تنسجم معها في تناغم فريد، حيث تؤكد قطـر أن انصهارها في المنطقة العالم بأسره ليس مجرد مسعى نبيل، بل تراه قطـر ضرورة لازمة.